الشيخ محمد النهاوندي

569

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

شرافة الوالدين موجبة لشرافة الولد ، لكونه فرعا للأصل الكريم ، وأمّا النّعم التي أنعم اللّه بها على داود فهي النبوة ، والملك ، وخلافة اللّه في الأرض ، وتسبيح الجبال والطير معه ، وحسن الصوت ، وإلانة الحديد في يده ، وتعليمه صنعة اللبوس ، وإنزال الزّبور عليه ، وأمّا النعمة على والدته فهي تزويجها من داود بعد أن كانت زوج أوريا ، وإسلامها ، وتزكيتها ، وطهارتها . ثمّ قيل : إنّ سليمان كان إذا قعد على الكرسي جاءت جميع الطيور التي سخّرها اللّه له فتظلّ الكرسيّ والبساط وجميع من عليه من حرّ الشمس « 1 » . قيل : إنّه عليه السّلام قعد يوما على كرسيه ، فوقع الشمس ، في حجره ، فرفع رأسه « 2 » . وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ وتعرّف أحوالها وتصفحها ، فلم ير الهدهد فيما بينها ، وكان رئيس الهداهد على ما قيل « 3 » فَقالَ لحاضري مجلسه : ما لِيَ وأيّ حال عرض لي فصار « 4 » سببا لأن لا أَرَى الْهُدْهُدَ في مكانه ؟ أساتر بيني وبينه يمنعني من رؤيته ؟ أَمْ كانَ اليوم مِنَ جملة الْغائِبِينَ عن محضري ؟ قيل : خرج سليمان عليه السّلام من مكة عند طلوع الشمس متوجّها إلى اليمن ، وكان بينهما مسيرة شهر ، فسار حتى أتى إلى واد كثير الأشجار حسن الهواء ، فنزل لأن يتغدّى فيه ، فجاء وقت الصلاة ، فأراد أن يتوضّأ فلم يجد ماء ، وكان الهدهد دليل الماء ، فطلبه فلم يجده « 5 » . وعن العياشي أنه قال أبو حنيفة لأبي عبد اللّه عليه السّلام : كيف تفقّد سليمان عليه السّلام الهدهد من بين الطير ، قال : « لأن الهدهد يرى الماء في بطن الأرض كما يرى أحدكم [ الدهن ] في القارورة » . فنظر أبو حنيفة إلى أصحابه فضحك . فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « ما يضحكك ؟ » قال : ظفرت بك جعلت فداك . قال : « وكيف ذلك ؟ » قال : الذي يرى الماء في بطن الأرض لا يرى الفخّ في التّراب حتى يؤخذ بعنقه ! قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « يا نعمان ، أما علمت أنّ القدر إذا نزل عمي البصر » « 6 » . وقيل : إنّ سليمان عليه السّلام جلس على سريره في نواحي بيت المقدس ، واشتغل بأمور المملكة والدين ، فقال هدهد في نفسه : إنّ سليمان مشغول عنّي ، فأرتفع في الهواء ساعة لأنظر في فسحة الدنيا وطولها وعرضها ، فطار في الهواء ، فوقعت فرجة في مظلّة الطيور ، فوقع شعاع الشمس على

--> ( 1 و 2 ) . تفسير القمي 2 : 127 ، تفسير الصافي 4 : 63 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 336 . ( 4 ) . في النسخة : علي صار . ( 5 ) . تفسير أبي السعود 6 : 279 ، تفسير روح البيان 6 : 337 . ( 6 ) . مجمع البيان 7 : 340 ، وفيه : أنه إذا نزل القدر اغشى البصر .